الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

118

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 229 ] وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ إلخ . فخاطب ( لكم ) للأزواج ، وخطاب فَإِنْ خِفْتُمْ [ البقرة : 229 ] لولاة الأمور ، كما في « الكشّاف » . قال : ومثل ذلك غير عزيز في القرآن وغيره . يريد أنّه من قبيل قوله تعالى في سورة الصفّ [ 11 - 13 ] : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى قوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ فإنّه جعل ( وَبَشِّرِ ) عطفا على ( تُؤْمِنُونَ ) أي فهو خطاب للجميع لكنّه لمّا كان لا يتأتّى إلّا من الرسول خصّ به . وبهذا التأويل أخذ عطاء إذ قال : لا يضرب الزوج امرأته ولكن يغضب عليها . قال ابن العربي : هذا من فقه عطاء وفهمه الشريعة ووقوفه على مظانّ الاجتهاد علم أنّ الأمر بالضرب هنا أمر إباحة ، ووقف على الكراهية من طريق أخرى كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « ولن يضرب خياركم » . وأنا أرى لعطاء نظرا أوسع ممّا رآه له ابن العربي : وهو أنّه وضع هاته الأشياء مواضعها بحسب القرائن ، ووافقه على ذلك جمع من العلماء ، قال ابن الفرس : وأنكروا الأحاديث المرويّة بالضرب . وأقول : أو تأوّلوها . والظاهر أنّ الإذن بالضرب لمراعاة أحوال دقيقة بين الزوجين فأذن للزوج بضرب امرأته ضرب إصلاح لقصد إقامة المعاشرة بينهما ؛ فإن تجاوز ما تقتضيه حالة نشوزها كان معتديا . ولذلك يكون المعنى وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أي تخافون سوء مغبّة نشوزهنّ ، ويقتضي ذلك بالنسبة لولاة الأمور أنّ النشوز رفع إليهم بشكاية الأزواج ، وأنّ إسناد فَعِظُوهُنَّ على حقيقته ، وأمّا إسناد وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ فعلى معنى إذن الأزواج بهجرانهنّ ، وإسناد وَاضْرِبُوهُنَّ كما علمت . وضمير المخاطب في قوله : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ يجري على التوزيع ، وكذلك ضمير فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا . والحاصل أنّه لا يجوز الهجر والضرب بمجرّد توقّع النشوز قبل حصوله اتّفاقا ، وإذا كان المخاطب الأزواج كان إذنا لهم بمعاملة أزواجهم النواشز بواحدة من هذه الخصال الثلاث ، وكان الأزواج مؤتمنين على توخّي مواقع هذه الخصال بحسب قوّة النشوز وقدره في الفساد ، فأمّا الوعظ فلا حدّ له ، وأمّا الهجر فشرطه أن لا يخرج إلى حدّ الإضرار بما تجده المرأة من الكمد ، وقد قدّر بعضهم أقصاه بشهر . وأمّا الضرب فهو خطير وتحديده عسير ، ولكنّه أذن فيه في حالة ظهور الفساد ؛ لأنّ المرأة اعتدت حينئذ ، ولكن يجب تعيين حدّ في ذلك ، يبيّن في الفقه ، لأنّه لو أطلق